الشيخ محمد علي طه الدرة

52

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ : قال ابن كيسان رحمه اللّه تعالى : يقال : ما على من لم يعلم أنّه مفسد من الذّم ، إنّما يذمّ إذا علم : أنّه مفسد ، ثم أفسد على علم . قال : ففيه جوابان : أحدهما أنهم كانوا يعملون الفساد سرّا ، ويظهرون الصّلاح ، وهم لا يشعرون أنّ أمرهم يظهر عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والوجه الآخر أن يكون فسادهم عندهم صلاحا ، وهم لا يشعرون : أنّ ذلك فساد ، وقد عصوا اللّه ورسوله في تركهم تبيين الحقّ واتّباعه ، واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب : أَلا : حرف تنبيه ، واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام ، إِنَّهُمْ : حرف مشبه بالفعل ، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها . هُمُ : ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . الْمُفْسِدُونَ خبر المبتدأ مرفوع ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة ؛ لأنّه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ( إنّ ) ، هذا ويجوز اعتبار : هُمُ ضمير فصل لا محل له من الإعراب ، كما يجوز اعتباره توكيدا لاسم ( إنّ ) على المحل . فيكون الْمُفْسِدُونَ على هذين الاعتبارين خبر ( إنّ ) ، والجملة الاسمية : إِنَّهُمْ . . . إلخ لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية . وَلكِنْ : الواو : حرف عطف . ( لكِنْ ) : حرف استدراك مهمل لا عمل له . لا : نافية . يَشْعُرُونَ : فعل وفاعل ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها ، فهي في محل رفع مثلها ، وقيل : بل معطوفة على جملة إِنَّهُمْ . . . إلخ ، والتقدير : ولكنهم لا يشعرون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 13 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) الشرح : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ . . . إلخ : القائل لهم هم المؤمنون : آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أي كإيمان الناس باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والبعث بعد الموت ، والجنّة ، والنار ، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به . وأطيعوا اللّه ورسوله في امتثال الأوامر ، وترك الزواجر . قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ : يعنون - لعنهم اللّه - أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مثل : عمّار ، وبلال ، وصهيب ، يقولون : أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة ، وعلى طريقة واحدة ؟ ! قال البيضاوي : وإنما سفّهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ، فإنّ أكثر المؤمنين كانوا فقراء ، ومنهم موال ، كصهيب ، وبلال ، أو للتجلّد ، وعدم المبالاة بمن آمن منهم ؛ إن فسر ( النَّاسِ ) بعبد اللّه بن سلام ، وأشياعه ، وهذا القول من المنافقين إنّما كانوا يقولونه في خفاء ، واستهزاء ، فأطلع اللّه نبيه والمؤمنين على ذلك . وقيل : إنّ السفه ، ورقّة الحلوم ، وفساد البصائر إنّما هي في حيزهم ، وصفة لهم ، وأخبر : أنهم هم السّفهاء ، ولكن لا يعلمون للرّين الّذي على قلوبهم .